ابن قتيبة الدينوري

108

الشعر والشعراء

فرحمهم الملك وعفا عنهم وردّهم إلى بلادهم ، حتّى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة ، تكهنّ كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدىّ ، فقال : يا عباد ( 1 ) قالوا : لبّيك ربّنا ! فقال : والغلَّاب غير المغلَّب ( 2 ) ، في الإبل كأنها الرّبرب ( 3 ) ، لا يقلق ( 4 ) رأسه الصّخب ، هذا دمه يثعب ، وهو غدا أول من يسلب . قالوا : من هو ربّنا ؟ قال : لولا تجيش نفس جايشه ( 5 ) أنبأتكم أنّه حجر ضاحيه . فركبت بنو أسد كلّ صعب وذلول ، فما أشرق لهم الضّحى حتّى انتهوا إلى حجر ، فوجدوه نائما فذبحوه ، وشدّوا على هجائنه فاستاقوها . 142 * وكان امرؤ القيس طرده ( 6 ) أبوه لمّا صنع في الشعر بفاطمة ما صنع ، وكان لها عاشقا ، فطلبها زمانا فلم يصل إليها ، وكان يطلب منها غرّة ، حتّى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان ، فقال : * قفا نبك منّ ذكرى حبيب ومنزل ( 7 ) * فلمّا بلغ ذلك حجرا أباه دعا مولى له يقال له ربيعة ، فقال له : اقتل امرأ القيس وأتنى بعينيه ، فذبح جوذرا فأتاه بعينيه ، فندم حجر على ذلك ، فقال : أبيت اللَّعن ! إني لم أقتله ، قال : فأتني به ، فانطلق فإذا هو قد قال شعرا في

--> ( 1 ) في الأغانى والخزانة « يا عبادي » . ( 2 ) في الأغانى : « فقال : من الملك الأصهب ، الغلاب غير المغلب » . ( 3 ) الربرب : القطيع من بقر الوحش ، لا واحد له من لفظه . ( 4 ) ف س « لا يفلق » والأغانى « لا يعلق » . ( 5 ) جاشت النفس : فاظت ، وجاشت القدر : غلت . وجشأت النفس : ارتفعت ونهضت من حزن أو فزع . وهما متقاربا المعنى وكأنهما من المقلوب بتقديم حرف وتأخيره . وفى الأغانى « جاشيه » . وأثبت مصحح ل رواية الأغانى في صلب الكتاب بدل رواية الأصلين . وهو تصرف غير جيد ، لأن المعنى مقارب ، فما في الأصلين صحيح . ( 6 ) س ب « اطرده » . ( 7 ) هو صدر المعلقة المشهورة .